Rémy

Rémy

@aallamsomaya
0Utilizações
0Ações
0Gostos
0Salvo por

مرحباً أصدقائي الأعزَّاء، ريمي هنا مرَّةً أخرى. لقد مرَّت سنتان كاملتان منذ ولادة طفلتنا الحبيبة ميلودي، وكانت هاتان السَّنتان من أجمل فترات حياتي. ميلودي تكبر كلَّ يوم، وتتعلَّم أشياء جديدة تملأ قلوبنا بالفرح والدِّفء. شعرها الذَّهبيُّ الفاتح أصبح أطول وأكثر جمالاً، وعيناها الزَّرقاوان تتألَّقان بالذَّكاء والفضول كلَّما نظرت إليَّ أو إلى والدها. كانت أيَّامنا تمرُّ كحلمٍ جميلٍ. في الصَّباح الباكر، كان ماتيو يستيقظ قبل الجميع ليُحضِّر قهوته المُفضَّلة، ثمَّ يذهب إلى غرفة ميلودي ليُوقظها بألحانه الهادئة على الكمان. كان صوت الكمان يملأ المنزل بسحرٍ خاصٍّ، وميلودي تُحرِّك يديها الصَّغيرتين كأنَّها تقود أوركسترا صغيرة. أمَّا أنا، فكنت أُحبُّ أن أراقبهما من بعيدٍ، ويداي تُحضِّر الإفطار بينما قلبي يرقص مع الموسيقى. لقد تعلَّمت الطَّبخ بشكلٍ أفضل كثيراً عمَّا كنت عليه في أيَّام طفولتي، وأصبحت أجيد صنع الخبز الطَّازج والمربَّيات اللَّذيذة التي يُحبُّها ماتيو. كانت ميلودي طفلةً مُميَّزةً حقَّاً. في عُمر السَّنتين، كانت تُحاول أن تُقلِّد والدها في العزف، فتُمسك بملعقة خشبيَّة وتُحرِّكها في الهواء كأنَّها كمان صغير. ضحكاتها الصَّافية كانت تملأ البيت بالحيويَّة والسَّعادة، وعندما تبدأ بالرَّقص على أنغام موسيقى والدها، كنت أشعر وكأنَّ الحياة لا يُمكن أن تكون أجمل من هذا. في المساء، كنَّا الثَّلاثة نجلس في غرفة المعيشة. ماتيو يعزف قطعاً هادئة، وأنا أُغنِّي أغاني الأطفال القديمة التي تعلَّمتها من أيَّام طفولتي مع الجماعة المُتجوِّلة، وميلودي تُصفِّق بيديها الصَّغيرتين وتُحاول أن تُردِّد معي الكلمات بطريقتها الطَّفوليَّة المُحبَّبة. لكن السَّعادة المُطلقة، كما تعلَّمت في حياتي، لا تدوم إلى الأبد. ففي يومٍ من الأيَّام، حدث شيءٌ غيَّر مجرى حياتنا الهادئة إلى الأبد. كان يوماً خريفيَّاً جميلاً، والأوراق الصَّفراء والحمراء تتراقص خارج النَّوافذ. كنت أُساعد ميلودي في تناول وجبة الغداء، وهي تُحاول أن تُمسك بالملعقة بنفسها - وهو أمرٌ كان يُسعدني كثيراً لأنَّه يُظهر استقلاليَّتها المُتزايدة. ماتيو كان في المعهد يُدرِّس طُلَّاباً جُدُداً وصلوا من مدينةٍ مُجاورةٍ. فجأةً، سمعت طرقاً قويَّاً على الباب. لم يكن طرقاً عاديَّاً كطرق الزُّوار المُهذَّبين أو حتَّى طرق البائعين المُتجوِّلين. كان طرقاً فيه شيءٌ من العجلة والإلحاح، شيءٌ جعل قلبي يخفق بسرعةٍ غريبةٍ. وضعت الملعقة جانباً وقلت لميلودي بصوتٍ هادئٍ: "انتظري هنا يا حبيبتي، ماما ستذهب لترى مَن على الباب." مشيت نحو الباب وأنا أشعر بقلقٍ غامضٍ يتسلَّل إلى قلبي. لماذا كان هذا الطَّرق يُشعرني بهذا القلق؟ لماذا كان صدري يضيق كلَّما اقتربت من المقبض؟ فتحت الباب ببطءٍ، ووجدت أمامي رجلاً في مُنتصف العُمر، يرتدي معطفاً أسود طويلاً ويحمل حقيبة جلديَّة قديمة. وجهه كان مُتجهِّماً وعيناه صغيرتان وحادَّتان. كان هناك شيءٌ في مظهره يُذكِّرني بأيَّام الماضي المُؤلمة، لكنَّني لم أستطع أن أُحدِّد ما هو بالضَّبط. "هل أنت ريمي؟" سأل بصوتٍ خشنٍ وبارد. أومأت برأسي بحذرٍ. "نعم... مَن أنت؟ وماذا تُريد؟" نظر إليَّ بطريقةٍ غريبةٍ، كأنَّه يُحلِّلني أو يُقيِّمني. ثمَّ قال: "اسمي السَّيِّد دوبون. أنا مُحامي، وقد جئت بخصوص أمرٍ قانونيٍّ مُهمٍّ يتعلَّق بك." شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدي. أمرٌ قانونيٌّ؟ ماذا يُمكن أن يكون؟ أنا لم أرتكب أيَّ مُخالفةٍ، ولم أتورَّط في أيَّة مشاكل قانونيَّة. لماذا يُريد مُحامٍ أن يُكلِّمني؟ "أُفضِّل أن نتحدَّث في مكانٍ هادئٍ،" قال وهو ينظر خلفي نحو الدَّاخل. "هذا الأمر يتطلَّب خصوصيَّة." ترددت للحظةٍ. لم أكن أثق في هذا الرَّجل، ولم أُحبَّ الطَّريقة التي ينظر بها إليَّ. لكن فضولي كان أقوى من خوفي، وأردت أن أعرف ما هو هذا الأمر القانونيُّ المُهمُّ. "تفضَّل بالدُّخول،" قلت أخيراً، وتراجعت لأُفسح له المجال. دخل الرَّجل ونظراته تتجوَّل في أرجاء المنزل بطريقةٍ فاحصةٍ. كان وكأنَّه يُقدِّر قيمة كلِّ شيءٍ فيه. هذا الأمر زاد من قلقي أكثر. "منزلٌ لطيفٌ،" قال بنبرةٍ لا تحمل أيَّ إعجابٍ حقيقيٍّ. "يبدو أنَّك تعيشين في راحةٍ جيِّدةٍ." أشرت له إلى الكنبة في غرفة المعيشة. "اجلس من فضلك. لكن قبل أن نبدأ، عليك أن تعذرني للحظةٍ، ابنتي في المطبخ وأُريد أن أطمئنَّ عليها." عدت سريعاً إلى المطبخ، حيث كانت ميلودي قد انتهت من طعامها وبدأت تلعب بالملعقة. حملتها بلطفٍ وقلت: "تعالي يا حبيبتي، سنذهب إلى غرفتك لتلعبي بألعابك." وضعتها في غرفتها مع ألعابها المُفضَّلة، وأعطيتها دُميتها الصَّغيرة التي تُحبُّها كثيراً. قبَّلت جبينها وقلت: "العبي هنا يا حبيبتي، ماما ستعود إليك قريباً." أغلقت باب الغرفة خلفي وعدت إلى غرفة المعيشة، حيث كان الرَّجل قد فتح حقيبته وأخرج منها مجموعة من الأوراق. "والآن،" قال وهو يضع نظَّارته، "لننتقل إلى الموضوع. هل تتذكَّرين والدك بالتَّبنِّي، السَّيِّد جيروم؟" شعرت كأنَّ قلبي توقَّف عن الخفقان للحظةٍ. جيروم؟ ذلك الرَّجل القاسي الذي عذَّبني وأساء معاملتي في طفولتي؟ ذلك الرَّجل الذي جعل حياتي جحيماً قبل أن أهرب منه والتحق بالجماعة المُتجوِّلة؟ "أتذكَّره،" قلت بصوتٍ مُتردِّدٍ، وأنا أُحاول أن أُسيطر على انفعالي. "لكن ما علاقة هذا بي الآن؟ لقد تركت هذا الماضي خلفي منذ سنوات." نظر إليَّ الرَّجل بابتسامةٍ باردةٍ. "الماضي، عزيزتي، لا يتركنا بسهولةٍ. السَّيِّد جيروم توفِّي مُؤخَّراً، وقد ترك وصيَّةً." شعرت بمزيجٍ من المشاعر المُتضاربة. جيروم مات؟ جزءٌ منِّي شعر بالرَّاحة، لأنَّ هذا يعني أنَّه لن يستطيع إيذاء أيِّ طفلٍ آخر كما فعل معي. لكن جزءاً آخر شعر بقلقٍ شديدٍ. وصيَّة؟ ماذا يُمكن أن يُريد ذلك الرَّجل الشِّرِّير منِّي حتَّى بعد موته؟ "وما علاقتي أنا بوصيَّته؟" سألت بحذرٍ. أخرج الرَّجل ورقةً طويلةً وبدأ يقرأ منها: "أترك لابنتي بالتَّبنِّي، ريمي، منزلي القديم وكلَّ ما فيه، بشرط أن تعود للعيش فيه مع عائلتها لمدَّة سنةٍ كاملةٍ. إذا رفضت هذا الشَّرط، فسيذهب كلُّ شيءٍ إلى الدَّولة." صُعقت تماماً. منزل جيروم؟ ذلك المنزل الذي كان بمثابة سجنٍ لي في طفولتي؟ المكان الذي شهد أصعب أيَّام حياتي؟ يُريدني أن أعود إليه؟ "هذا... هذا مُستحيل،" تمتمت. "لماذا يُريدني أن أعود إلى ذلك المكان؟ لقد كان قاسياً معي، لماذا يتركني شيئاً الآن؟" هزَّ الرَّجل كتفيه بلامُبالاةٍ. "لست أدري ما هي دوافعه. ربَّما شعر بالنَّدم في نهاية حياته. أو ربَّما كان هذا نوعاً من... التَّكفير عن أخطائه." وقفت وبدأت أمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة. عقلي كان يعجُّ بالأفكار والذِّكريات المُؤلمة. منزل جيروم كان كبيراً وجميلاً من الخارج، لكنَّه كان مليئاً بالذِّكريات السَّيِّئة بالنِّسبة لي. كيف يُمكنني أن أعود إلى هناك مع عائلتي الصَّغيرة السَّعيدة؟ "وماذا لو رفضت؟" سألت. "إذا رفضت، فسيذهب كلُّ شيءٍ إلى الحكومة كما قلت. المنزل والأثاث والمال... كلُّ شيءٍ." "كم هي قيمة الوراثة؟" سألت رغم أنَّني لم أكن مُهتمَّة بالمال حقَّاً. ابتسم الرَّجل ابتسامةً أوسع. "المنزل وحده يُقدَّر بحوالي خمسين ألف فرنك، بالإضافة إلى مدَّخراته التي تُقارب العشرين ألفاً. إنَّه مبلغٌ كبيرٌ، يُمكن أن يُؤمِّن مُستقبل عائلتك." خمسون ألف فرنك! كان هذا مبلغاً ضخماً بالفعل. بهذا المال، يُمكن لماتيو أن يفتح مدرسة الموسيقى التي يحلم بها، ويُمكنني أن أُؤمِّن تعليماً ممتازاً لميلودي. لكن... بأيِّ ثمنٍ؟ "أُريد وقتاً للتَّفكير،" قلت أخيراً. "بالطَّبع،" قال الرَّجل وهو يُعيد الأوراق إلى حقيبته. "لكن لا تأخذي وقتاً طويلاً جدَّاً. الإجراءات القانونيَّة لها مواعيد، وهناك أشخاصٌ آخرون مُهتمُّون بالمُمتلكات إذا لم تقبلي العرض." بعد أن غادر الرَّجل، جلست وحيدةً في غرفة المعيشة وأنا أشعر بثقلٍ كبيرٍ في صدري. عدت إلى ميلودي، التي كانت لا تزال تلعب بهدوءٍ، وحملتها بين ذراعيَّ. عطرها الطَّفوليُّ الجميل وضحكتها البريئة جعلاني أشعر بالدِّفء مرَّة أخرى. "ماذا أفعل يا صغيرتي؟" همست في أُذنها. "كيف يُمكنني أن أعرِّضك أنت ووالدك لذكريات ماضيَّ الأليم؟" عندما عاد ماتيو في المساء، كان مُتعباً بعد يومٍ طويلٍ من التَّدريس، لكنَّ وجهه أضاء عندما رآني وميلودي في انتظاره. ركض إلينا وحملنا معاً في عناقٍ دافئٍ. "كيف كان يومكما يا أحبَّائي؟" سأل بصوته المُحبَّب. ترددت للحظةٍ. كيف أُخبره بما حدث؟ كيف أُخبره أنَّ شبح الماضي قد عاد ليُطاردنا؟ "ماتيو... حدث شيءٌ اليوم. شيءٌ مُهمٌّ." رأى القلق في عينيَّ فجلس بجانبي وأمسك بيدي. "ماذا حدث يا حبيبتي؟ أنت تبدين قلقةً." حكيت له كلَّ ما حدث. أخبرته عن الرَّجل والوصيَّة والشُّروط. رأيت تعبيرات وجهه تتغيَّر من الاستغراب إلى القلق إلى التَّفكير العميق. عندما انتهيت من الحكي، صمت ماتيو لفترةٍ طويلةٍ. كان يُحدِّق في الأرض ويُفكِّر بعمقٍ. أخيراً، نظر إليَّ وقال: "ريمي، أنا أعرف كم كان ذلك الرَّجل قاسياً معك في طفولتك. وأعرف أنَّ العودة إلى ذلك المنزل ستكون صعبةً عليك." أومأت برأسي، والدُّموع تتجمَّع في عينيَّ. "لكن،" تابع، "هذا المال يُمكن أن يُغيِّر حياتنا تماماً. يُمكنني أن أفتح مدرسة الموسيقى التي أحلم بها، ونُؤمِّن مُستقبل ميلودي. والأهمُّ من ذلك، يُمكنك أن تُحوِّلي ذلك المنزل الذي كان مليئاً بالذِّكريات السَّيِّئة إلى مكانٍ مليءٍ بالحبِّ والسَّعادة." كانت كلماته منطقيَّةً، لكن قلبي كان لا يزال مُتردِّداً. "وماذا لو لم أستطع؟ ماذا لو كانت الذِّكريات قويَّةً أكثر من قدرتي على المُقاومة؟" ضمَّني إليه وقبَّل رأسي برقَّةٍ. "نحن معاً يا ريمي. أنا وأنت وميلودي. لا شيء يُمكن أن يُؤذيك ما دمنا معاً. وإذا أصبح الأمر صعباً جدَّاً، يُمكننا أن نُغادر في أيِّ وقتٍ." "لكن الوصيَّة تقول سنة كاملة..." "يُمكننا أن نُحاول لمدَّة شهرٍ أو شهرين أوَّلاً، وننظر كيف تسير الأمور. إذا كان الأمر مُستحيلاً، فسنجد طريقةً أخرى." نظرت إلى ميلودي، التي كانت نائمةً في أحضاني بسكينةٍ تامَّةٍ. وجهها الصَّغير المُلائكيُّ جعلني أُفكِّر في مُستقبلها. ألا تستحقُّ أفضل ما يُمكنني أن أُقدِّمه لها؟ "حسناً،" قلت أخيراً. "سنُحاول. لكن إذا أصبح الأمر صعباً جدَّاً..." "إذا أصبح الأمر صعباً جدَّاً، سنتعامل معه معاً." قال ماتيو بحزمٍ. "أنت لست وحيدة في هذا يا ريمي. نحن عائلةٌ، والعائلة تُواجه التَّحدِّيات معاً." في اليوم التَّالي، اتَّصلت بالمُحامي وأخبرته بقراري. كان سعيداً جدَّاً، أكثر ممَّا يجب أن يكون عليه مُحامٍ يقوم بعمله فقط. "قرارٌ حكيمٌ،" قال. "سأُرسل لك الأوراق المطلوبة للتَّوقيع، وبعدها يُمكنكم الانتقال متى شئتم." "أُريد أن أرى المنزل أوَّلاً قبل أن آخذ ميلودي إلى هناك." "بالطَّبع، بالطَّبع. سأُرتِّب لك زيارة هذا الأُسبوع." بعد يومين، ذهبت مع ماتيو لرؤية المنزل القديم. كان الطَّريق مألوفاً ومُؤلماً في نفس الوقت. كلَّما اقتربنا، كانت الذِّكريات تعود إليَّ بوضوحٍ أكبر. هنا كنت أجري هاربةً من غضب جيروم، وهناك كنت أجلس وحيدةً أحلم بحياةٍ أفضل. عندما وصلنا، وقفت أمام البوَّابة الحديديَّة الكبيرة وأنا أتنفَّس بصعوبةٍ. المنزل كان كما أتذكَّره تماماً: كبير، مُهيب من الخارج، لكنَّه كان يُشعرني بالخوف والحزن. "هل أنت بخيرٍ؟" سأل ماتيو وهو يضع يده على كتفي. أومأت برأسي رغم أنَّني لم أكن متأكِّدة من ذلك. فتح المُحامي البوَّابة والباب الرَّئيسيَّ، ودخلنا إلى الدَّاخل. رائحة الغُبار والإهمال كانت تملأ المكان، لكن أثاث المنزل كان لا يزال جميلاً وثميناً. المطبخ، غرفة المعيشة، الدِّرج الخشبيُّ الكبير... كلُّ شيءٍ كما كان عليه، لكنَّه بدا أصغر ممَّا كنت أتذكَّره. ربَّما لأنَّني كبرت، أو ربَّما لأنَّ الخوف يجعل الأشياء تبدو أكبر ممَّا هي عليه حقَّاً. صعدت إلى الطَّابق الثَّاني، حيث كانت غرفتي القديمة. فتحت الباب ببطءٍ، وشعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدي. الغرفة كانت صغيرةً وكئيبةً، مع سريرٍ حديديٍّ بسيطٍ وخزانة ملابس قديمة. "هذه كانت غرفتي،" قلت لماتيو بصوتٍ خافتٍ. نظر حوله بحزنٍ. "كانت صغيرةً جدَّاً لطفلةٍ." "أجل... كنت أقضي ساعاتٍ طويلةً هنا، أحلم بيومٍ أكون فيه حُرَّة." ضمَّني إليه برفقٍ. "والآن أنت حُرَّة، وسعيدة، ولديك عائلة تُحبُّك." زرنا باقي الغُرف في المنزل. كان هناك غرفة نومٍ رئيسيَّة كبيرة، ومكتبة، وغرفة طعامٍ فخمة، وحتَّى غرفة موسيقى صغيرة بها بيانو قديم. "انظري،" قال ماتيو بحماسٍ عندما رأى البيانو. "يُمكنني أن أُعلِّم الطُّلَّاب هنا أيضاً." جرَّب العزف على البيانو، وكان صوته جميلاً رغم أنَّه يحتاج إلى صيانةٍ. الموسيقى ملأت المنزل القديم، وللحظةٍ، شعرت بأنَّ المكان أصبح أكثر دفئاً. "ما رأيك؟" سأل المُحامي. "المنزل في حالةٍ جيِّدةٍ، يحتاج فقط إلى تنظيفٍ وصيانةٍ بسيطةٍ." نظرت حولي مرَّةً أخرى. نعم، المنزل كان جميلاً ومُتين، وبالفعل كان يُمكن أن يُصبح بيتاً رائعاً لعائلتنا. لكن الذِّكريات... "سنحتاج إلى وقتٍ لتنظيفه وترتيبه قبل أن نُحضر ميلودي،" قلت. "بالطَّبع، بالطَّبع. خُذوا كلَّ الوقت الذي تحتاجونه." في الأسابيع التَّالية، قضينا أنا وماتيو ساعاتٍ طويلةً في تنظيف المنزل وترتيبه. كنَّا نترك ميلودي مع أُمِّي ميليغين، التي فرحت جداً لأنَّها ستقضي وقتاً أكثر مع حفيدتها الصَّغيرة. مع كلِّ يومٍ نقضيه في المنزل، كنت أشعر بأنَّ الذِّكريات السَّيِّئة تتلاشى تدريجياً. صوت ضحك ماتيو كان يملأ أرجاء المنزل، وعندما يعزف على البيانو القديم بعد تصليحه، كان المكان يمتلئ بالدِّفء والحياة. قرَّرنا أن نُعيد تصميم غرفتي القديمة لتُصبح غرفةً جميلةً لميلودي. طليناها بلونٍ زهريٍّ فاتحٍ، وأضفنا ستائر ملوَّنةً ولُعباً جميلةً. عندما انتهينا منها، لم تعُد تُشبه مكان حزني القديم أبداً. "انظري كم أصبحت جميلة،" قال ماتيو وهو يُمسك بيدي ونحن نقف في وسط الغرفة. "ميلودي ستُحبُّها حتماً." أومأت برأسي، وأنا أشعر بفخرٍ حقيقيٍّ لأوَّل مرَّةٍ منذ دخولي هذا المنزل مرَّة أخرى. كما أعدنا ترتيب باقي الغُرف. غرفة النَّوم الرَّئيسيَّة أصبحت غرفتنا، مليئةً بالألوان الدَّافئة والذِّكريات الجميلة التي بدأنا نصنعها معاً. غرفة الموسيقى أصبحت استديو ماتيو للتَّدريس، وغرفة المعيشة أصبحت مكاناً مُريحاً لتجمُّع العائلة. أخيراً، جاء اليوم الذي انتقلنا فيه رسميَّاً إلى المنزل. جلبنا ميلودي معنا، وكانت مُتحمِّسةً جداً لرؤية "البيت الكبير الجديد" كما كانت تُسمِّيه. عندما دخلت ميلودي المنزل لأوَّل مرَّةٍ، ركضت في أرجائه بحماسٍ، وضحكاتها الصَّافية ملأت كلَّ زاويةٍ فيه. في تلك اللَّحظة، شعرت بأنَّ المنزل قد وُلد من جديد. لم يعُد مكان الحزن والألم، بل أصبح بيت السَّعادة والحبِّ. لكن السَّعادة، كما قلت من قبل، لا تدوم دائماً دون تحدِّياتٍ. بعد شهرٍ من انتقالنا، بدأت أُلاحظ أشياء غريبةً. أحياناً كنت أسمع أصواتاً في اللَّيل، أصوات خطواتٍ في الطَّابق العُلويِّ عندما نكون جميعاً في الطَّابق السُّفليِّ. في البداية، اعتقدت أنَّها مُجرَّد أصوات المنزل القديم، لكن الأمر بدأ يحدث بشكلٍ مُتكرِّرٍ أكثر. كما بدأت ميلودي تتصرَّف بغرابةٍ. أحياناً كانت تُحدِّث شخصاً غير مرئيٍّ في غرفتها، وعندما أسألها من تُكلِّم، تقول: "الرَّجل العجوز الذي يقف هناك." في البداية، اعتقدت أنَّه مُجرَّد خيال طفولية عادية. كثيرٌ من الأطفال لديهم أصدقاء وهميُّون. لكن ذات ليلةٍ، استيقظت على صوت بكاء ميلودي. ركضت إلى غرفتها، ووجدتها واقفةً في وسط الغرفة وهي تبكي وتُشير إلى الزَّاوية. "ماما، الرَّجل العجوز غاضبٌ! يقول أنَّنا لا يجب أن نكون هنا!" شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدي كلِّه. نظرت إلى الزَّاوية التي تُشير إليها، لكنَّني لم أر شيئاً. "لا يوجد أحدٌ هنا يا حبيبتي،" قلت وأنا أحملها وأحتضنها. "لقد كان مُجرَّد حُلمٍ." لكن ميلودي استمرَّت في البكاء. "لا، لا! إنَّه هناك! إنَّه يُريد أن نذهب!" أيقظت ماتيو، وأخبرته بما حدث. كان قلقاً مثلي، لكنَّه حاول أن يكون عقلانياً. "ربَّما هو مُجرَّد تأثير الانتقال إلى مكانٍ جديدٍ،" قال. "الأطفال أحياناً يتفاعلون بهذا الشَّكل مع التَّغييرات الكبيرة." أردت أن أُصدِّقه، لكن في أعماق قلبي، كنت أشعر بأنَّ هناك شيئاً أكثر من مُجرَّد خيال طفولية. في الأيَّام التَّالية، ازدادت الأحداث الغريبة. أحياناً كنت أجد أشياء في مكانٍ مُختلفٍ عمَّا تركتها فيه. نوافذ تُفتح بمفردها رغم أنَّني تأكَّدت من إغلاقها. وفي إحدى اللَّيالي، سمعت صوت البيانو يُعزف في غرفة الموسيقى، رغم أنَّ ماتيو كان نائماً بجانبي. استيقظت وذهبت لأتفقَّد الأمر، لكنَّني وجدت غرفة الموسيقى فارغةً والبيانو صامتاً. بدأت أشكُّ في نفسي. هل أنا أتخيَّل هذه الأشياء؟ هل تُؤثِّر ذكريات الماضي المُؤلمة على عقلي؟ لكن عندما بدأ ماتيو أيضاً يُلاحظ أشياء غريبة، أدركت أنَّني لست وحدي في هذا. "ريمي،" قال لي ذات صباحٍ، "أمس في المساء، كنت أُراجع النُّوتات الموسيقيَّة في غرفة الموسيقى، وشعرت بأنَّ شخصاً يُراقبني. التفتُّ لكنَّني لم أجد أحداً، لكن الشُّعور كان قويَّاً جداً." "أنت أيضاً تشعر بهذا؟" سألت بارتياحٍ مُختلطٍ بالقلق. أومأ برأسه. "وأمس، عندما كنت أُعلِّم أحد طُلَّابي على البيانو، توقَّف فجأةً ونظر خلفي بخوفٍ. سألته عمَّا رأى، فقال إنَّه رأى رجلاً عجوزاً يقف خلفي ويُحدِّق فيه بغضبٍ." شعرت بأنَّ الدَّم يتجمَّد في عروقي. "ماذا نفعل؟" "لا أدري،" قال ماتيو وهو يُمسك برأسه بين يديه. "ربَّما نحن نُؤثِّر على بعضنا البعض. ربَّما القلق والتَّوتُّر يجعلاننا نتخيَّل أشياء ليست موجودة." لكن في تلك اللَّيلة نفسها، حدث شيءٌ جعلنا نُدرك أنَّ الأمر أكثر جدِّيَّة ممَّا ظننَّا. كنَّا نائمين عندما استيقظت على صوت موسيقى قادمة من الطَّابق السُّفليِّ. لم تكن موسيقى البيانو هذه المرَّة، بل كانت موسيقى كمانٍ حزينةً وكئيبةً. أيقظت ماتيو، وسمع الموسيقى أيضاً. "مَن يُمكن أن يعزف في هذا الوقت؟" همس. نزلنا بحذرٍ إلى الطَّابق السُّفليِّ، والموسيقى تزداد وضوحاً مع كلِّ خطوةٍ. كانت تأتي من غرفة المعيشة. عندما وصلنا إلى الغرفة، توقَّفت الموسيقى فجأةً. وقفنا في الظَّلام للحظاتٍ، قلوبنا تخفق بقوَّةٍ. أضاء ماتيو النُّور، ولم نجد أحداً في الغرفة. لكن على المائدة، كان هناك كمان قديم لم نره من قبل. "من أين جاء هذا الكمان؟" سأل ماتيو بصوتٍ مُرتجفٍ. اقتربت منه وأنا أرتعش. كان كماناً جميلاً لكنَّه قديم جداً، ويبدو عليه أنَّه لم يُستخدم منذ سنواتٍ طويلةٍ. فجأةً، تذكَّرت شيئاً. جيروم... كان يعزف الكمان أحياناً في المساء. لطالما اعتقدت أنَّ هذا هو الوقت الوحيد الذي كان فيه أقلَّ قسوة، عندما كان مُنشغلاً بالموسيقى. "هذا... هذا كان كمان جيروم،" قلت بصوتٍ خافتٍ. "لكن كيف وصل إلى هنا؟ لم يكن موجوداً في الغرفة قبل ساعاتٍ قليلةٍ." لم أُجب لأنَّني لم أعرف الإجابة. كيف يُمكن لكمانٍ أن يظهر من العدم؟ ومن كان يعزف عليه؟ في اليوم التَّالي، قرَّرت أن أبحث في أوراق جيروم القديمة لعلِّي أجد تفسيراً لما يحدث. في مكتبه، وجدت صندوقاً مليئاً بالرَّسائل والوثائق. بين هذه الأوراق، وجدت رسالةً مكتوبةً بخطِّ جيروم. كانت مُؤرَّخة قبل وفاته بأسبوعين فقط: "أعرف أنَّني سأموت قريباً، وأعرف أنَّني كنت قاسياً مع ريمي الصَّغيرة. لم أكن أقصد أن أكون كذلك، لكن حزني على وفاة زوجتي وابني في الحادث جعلني رجلاً مريراً وغاضباً من العالم كلِّه. أُريد ريمي أن تعود إلى هذا المنزل لتُحوِّله إلى مكان سعيد مرَّة أخرى، كما كان عندما كانت عائلتي على قيد الحياة. أُريدها أن تملأه بضحكات الأطفال والحبِّ الذي حُرم منه لسنوات طويلة. لكنَّني أيضاً خائف أن تكرهني إلى الأبد لما فعلته بها. إذا استطاعت أن تسامحني، فربَّما أستطيع أن أرتاح في سلام." قرأت الرِّسالة مرَّاتٍ عديدة، والدُّموع تنهمر من عينيَّ. جيروم كان يشعر بالنَّدم؟ هل كان يُحاول أن يُعوِّض عمَّا فعله بي؟ لكن هذا لا يُفسِّر الأحداث الغريبة. أم أنَّه يُفسِّرها؟ تلك اللَّيلة، بعد أن نام ماتيو وميلودي، جلست وحدي في غرفة المعيشة. أمسكت بالرِّسالة في يدي ونظرت حولي. "جيروم،" قلت بصوتٍ هادئ، "إن كنت تستطيع سماعي، فأُريد أن أقول لك شيئاً." شعرت بالغرابة وأنا أتكلَّم مع الهواء، لكن كان عليَّ أن أقول ما في قلبي. "لقد قرأت رسالتك. أعرف أنَّك كنت تمرُّ بألمٍ كبيرٍ عندما فقدت عائلتك. وأعرف أنَّك لم تكن تقصد أن تُؤذيني بقدر ما فعلت." توقَّفت لحظة، ثمَّ تابعت: "أنا... أنا أسامحك، جيروم. لقد مضى على ذلك وقتٌ طويل، وأنا الآن أُمٌّ وأفهم كم يُمكن أن يكون الألم قاسياً. أسامحك، وأُريدك أن تعرف أنَّني سأجعل هذا المنزل مليئاً بالحبِّ والسَّعادة كما تُريد." فجأةً، شعرت بنسيمٍ لطيفٍ يمرُّ عبر الغرفة، رغم أنَّ جميع النَّوافذ كانت مُغلقة. وللحظةٍ، شعرت بوجودٍ هادئٍ ومُطمئنٍ حولي. "لكنَّني أُريد منك أن تتوقَّف عن إخافة ميلودي،" قلت بحزمٍ أكبر. "هي طفلةٌ صغيرة، ولا تستحقُّ أن تخاف في بيتها. إذا كنت تُريد البقاء هنا، فعليك أن تكون حضوراً لطيفاً، أو أن ترحل في سلام." الهدوء الذي ساد الغرفة بعد كلامي جعلني أشعر بأنَّ رسالتي وصلت. من تلك اللَّيلة، توقَّفت الأحداث المُخيفة تماماً. لم تعُد ميلودي تبكي في اللَّيل أو تتحدَّث عن "الرَّجل العجوز الغاضب." بل على العكس، أحياناً كانت تبتسم وتُلوِّح لزاوية فارغة في الغرفة وتقول: "مرحباً جدُّ جيروم الطَّيِّب!" أما الكمان، فقد أصبح جزءاً من حياتنا. أحياناً، في المساء، كنت أسمع ألحاناً هادئة ولطيفة تأتي من غرفة الموسيقى، ولكنَّها لم تعُد مُخيفة. كانت كأنَّها تهاليل فرحٍ وامتنانٍ. ماتيو بدأ يُعلِّم طُلَّابه في المنزل، وغرفة الموسيقى امتلأت بأصوات التَّعلُّم والإنجاز. أحياناً، كان الطُّلَّاب يسألون عن الرَّجل العجوز الذي يبدو وكأنَّه يُشجِّعهم من بعيدٍ، لكن ماتيو وأنا تعلَّمنا أن نبتسم ونقول إنَّه "روح المنزل الطَّيِّبة." مع الوقت، أصبح المنزل مكاناً مليئاً بالحياة والحبِّ كما لم يكن من قبل. ميلودي كانت تكبر في بيئةٍ مليئةٍ بالموسيقى والدِّفء، وكانت تتعلَّم العزف على البيانو الصَّغير الذي اشتريناه لها. أحياناً، كنت أجد نفسي أقف في الغرفة التي كانت غرفتي القديمة - والتي أصبحت الآن غرفة ميلودي الجميلة - وأتذكَّر كم كنت حزينة وخائفة هنا. والآن، هذه الغرفة مليئة بضحكات طفلتي ولُعبها الملوَّنة وأحلامها السَّعيدة. كان التَّحوُّل مُذهلاً. المنزل الذي كان يوماً ما سجني أصبح قلعة سعادتي. والرَّجل الذي أساء معاملتي أصبح، بطريقةٍ غريبة، جزءاً من الحبِّ الذي يحمي عائلتي الصَّغيرة. والآن، بعد ستَّة أشهرٍ من انتقالنا إلى المنزل، أستطيع أن أقول بثقةٍ إنَّ قرارنا كان صحيحاً. ماتيو فتح مدرسة الموسيقى الصَّغيرة التي حلم بها، وهو سعيدٌ جداً بتعليم الأطفال والكبار على حدٍّ سواء. أما أنا، فقد بدأت في كتابة قصص الأطفال المُستوحاة من مُغامراتي القديمة، وأحلم بنشرها يوماً ما لأُلهم أطفالاً آخرين. وميلودي... ميلودي تكبر كلَّ يومٍ وتُصبح أكثر جمالاً وذكاءً. إنَّها تُحبُّ منزلنا الكبير وحديقته الواسعة، وتقضي ساعاتٍ طويلةً تلعب وتستكشف كلَّ زاوية فيه. أحياناً، عندما أراها تجري في الحديقة وشعرها الذَّهبيُّ يتطاير في الهواء، أتذكَّر نفسي في طفولتي وكم كنت أحلم بأن أكون طفلةً سعيدة وحُرَّة مثلها. والآن، ابنتي تعيش الطُّفولة السَّعيدة التي حُرمت منها. لكن هذه قصَّة أخرى، وسأحكيها لكم في حلقةٍ قادمة. إلى اللِّقاء أصدقائي الأعزَّاء، ولا تنسوا أنَّ المُستقبل دائماً أجمل من الماضي، وأنَّ الحبَّ قادرٌ على تحويل أقسى الذِّكريات إلى دروس تجعلنا أقوى وأكثر حكمة

ar
Público
Amostras
Ainda não há amostras de áudio