لست ادري كيف بدأ ذلك اليوم الذي مثّل لي نقطة تحوّل أساسية في التكوين العام لوجودي، حيث كان كل شئ عادي للغاية ... يوم كبقية أيام حياتي الرتيبة ... ولكن ما حدث ذلك اليوم اعتقد أنه سوف يُفسر الكثير من الأحداث والرؤى الإستثنائية التي ساهمت في التشكيل الوجداني لشخصي وما قُدر لي أن اكون، واضحت هي المسّيطرة على قدري فيما بعد. فلم اعد بعدها ذاك الفتى قصير القامة ذا الوجه الدقيق والشعر المنكوش والعينين السوداويين الحالمتين الذي كان يتفصّد جسده عرقاً من اللعب والركض طوال اليوم مع اقرانه في قيظ الفريج وغباره. ولم اعد ذلك الفتى الذي لم يكن يخبر من الدنيا سوى ما تراه عيناه من إمتداد البحر اللانهائي في الأُفق حتى بلغ سني الصبا ولم يكن يتخيل ان خلف هذا الإمتداد عوالم اخرى. بل اضحى شخصية اخرى شكلتها صعوبات القدر الإنساني الغير معلومة الحدود واللا محدودة الآفاق. الآن، وكلما استعيد تلك الأيام في ذاكرتي يصبح الأمر بالنسبة لي شيئا موحشاً ككابوس مروّع لا يمكن تصوره.
