«يَقُولُونَ إنَّ العَالَمَ يُعْطِي لِمَنْ يُقَاتِل
الفَصْلُ الأَوَّلُ «يَقُولُونَ إنَّ العَالَمَ يُعْطِي لِمَنْ يُقَاتِلُ وَيَسْعَى، وَالضَّعِيفُ يُدَاسُ وَيُنْسَى.» مَرْحَبًا، اسْمِي سَامِي... وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ. أَنَا الآنَ جَالِسٌ فَوْقَ حَافَّةِ سَطْحِ عِمَارَةٍ شَاهِقَةٍ فِي "كَازَابْلَانْكَا"، أَمَامَ مَدِينَةٍ لَا تَنَامُ؛ أَضْوَاؤُهَا تَلْمَعُ، وَصَوْتُهَا لَا يَهْتَمُّ إِنْ سَقَطَ أَحَدٌ. الرِّيحُ القَادِمَةُ مِنْ جِهَةِ البَحْرِ تَضْرِبُ وَجْهِي، وَكَأَنَّهَا تُذَكِّرُنِي بِكُلِّ صَفْعَةٍ قَدِيمَةٍ. هَلْ تَخَيَّلْتُمْ مَاذَا سَأَفْعَلُ؟ هَلْ سَأَقْفِزُ مِنْ هُنَا؟ مِنْ فَوْقِ هَذِهِ العِمَارَةِ، فِي هَذِهِ المَدِينَةِ الَّتِي ابْتَلَعَتْ آلَافَ القِصَصِ مِثْلِي؟ تَسْأَلُونَ لِمَاذَا وَصَلْتُ إِلَى هُنَا؟ وَلِمَاذَا بَدَأَتِ الحِكَايَةُ مِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا المَكَانِ تَحْدِيدًا؟ لأَنَّ هَذَا المَكَانَ هُوَ الَّذِي سَيُغَيِّرُ حَيَاتِي. فَوْقَ هَذَا السَّطْحِ... فَوْقَ هَذِهِ العِمَارَةِ فِي "كَازَابْلَانْكَا". قَبْلَ أَنْ تَحْكُمُوا، اسْمَعُوا قِصَّتِي كَامِلَةً. سَأَحْكِي لَكُمْ، وَأَنْتُمُ احْكُمُوا عَلَيَّ: هَلْ أَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا... أَمْ لَا؟ سَأَبْدَأُ مِنْ طُفُولَتِي، وَهَلْ كَانَتْ طُفُولَةً أَصْلًا؟ أَمْ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ مَرَّتْ فَوْقَ جَسَدٍ صَغِيرٍ؟ أَوَّلًا، لَيْسَ لَدَيَّ عَائِلَةٌ، وَلَا أَقْرِبَاءُ كَمَا تَتَخَيَّلُونَ. أَنَا ابْنُ المِيتَمِ. مِيتَمٌ فِي "كَازَابْلَانْكَا"، بَيْنَ ضَجِيجِ المَدِينَةِ وَبُرُودِ الجُدْرَانِ. وَسَأَحْكِي لَكُمْ عَنْ صُعُوبَاتِي هُنَاكَ، وَلَا بَأْسَ... أَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَعْرِفُونَ مَا يَجْرِي فِي المَيَاتِمِ، لَكِنْ لَيْسَ كَمَا عِشْتُهُ أَنَا. كُنْتُ رَضِيعًا... رَضِيعًا بِلَا اسْمٍ حَقِيقِيٍّ، وَبِلَا أَبَوَيْنِ يَهْمِسَانِ لَهُ أَوْ يَنْتَظِرَانِهِ. يَقُولُونَ إِنَّهُمْ وَجَدُونِي مَلْفُوفًا بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ قَدِيمَةٍ، فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مِنْ لَيَالِي "كَازَابْلَانْكَا". بَكَيْتُ كَثِيرًا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ، لَا لأَنَّنِي جَائِعٌ فَقَطْ، بَلْ لأَنَّ جَسَدِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ... وَلَمْ يَجِدْهُ. فِي المِيتَمِ، لَمْ يَكُنِ البُكَاءُ يُقَابَلُ بِحِضْنٍ، بَلْ بِالصَّمْتِ أَوِ الغَضَبِ. الرَّضِيعُ الَّذِي يَبْكِي كَثِيرًا يُتْرَكُ أَكْثَرَ، وَكَأَنَّ البُكَاءَ جَرِيمَةٌ. كُنْتُ أَسْتَلْقِي فِي سَرِيرٍ بَارِدٍ، أُحَدِّقُ فِي السَّقْفِ لِسَاعَاتٍ، أَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَطْفَالٍ آخَرِينَ، وَأَحْيَانًا صَوْتَ الآذَانِ البَعِيدِ يَدْخُلُ مِنْ نَافِذَةٍ مَكْسُورَةٍ... وَلَا أَعْرِفُ لِمَاذَا كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّهُ لَا يُنَادِينِي. وَأَفْهَمُ — رَغْمَ صِغَرِي — أَنَّنَا جَمِيعًا مُتَشَابِهُونَ... مَتْرُوكُونَ. كَبُرْتُ قَلِيلًا، لَكِنَّ القَسْوَةَ كَبُرَتْ قَبْلِي. تَعَلَّمْتُ أَلَّا أَمُدَّ يَدِي؛ لأَنَّ لَا أَحَدَ سَيُمْسِكُهَا. وَتَعَلَّمْتُ أَلَّا أَنْتَظِرَ؛ لأَنَّ الانْتِظَارَ يُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِنَ الحَقِيقَةِ. وَهَكَذَا... طُفُولَتِي لَمْ تَكُنْ أَلْعَابًا، كَانَتْ صَبْرًا. لَمْ تَكُنْ ضَحِكًا، كَانَتْ مُحَاوَلَةً لِلْبَقَاءِ فِي مَدِينَةٍ اسْمُهَا "كَازَابْلَانْكَا"، لَا تَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ.
