يخبرونك بأنه من جدّ وجد، ومن زرع حصد، ومن طلب العُلا سهر الليالي، ومن سار على الدرب وصل. لكن أحداً لم يخبرك بأن من سار على الدرب: تعثّر وسقط، تألم ونهض، خُذل ووقف، كابد اليأس وحارب، تجرّع المرّ الصّعاب وسار، تحدّى العواصف والإعصار، أخفى الدموع وبثّ الإصرار، كسر القيود وفكّ الحصار، لم يرتضِ الهوان يوماً ولا الفرار، نَحَتَ في الصخر وصاغ الهِمّة، واجه الظلام واشتاق للقمّة، كتم الأنين وأوقد الشّمعة، مسح الغبار وابتغى الرّفعة، ذاق المرارة وما انحنى ظهره، نازع الخوف واستردّ فجره، حمل الأثقال وجابه عُسره، طرق الأبواب وأصلح أمره، صارع الأمواج وعاش صبره، تلطّخ بالطين وصان طُهره، رأى الأبواب طالت مغالقها، فصاغ من جميل الصبر مفتاحاً يوافقها، كم من كروبٍ خنقته ظنّ أن لا انفراج لها، حتى رأى كبير الهمّ ينجاحُ عنها ويفارقها، فلم ييأس، وعلم أن رحمة ربه للخلق ظلٌّ وللأيام إصباحُ، وإن مسّه الضرّ أو ضاقت به الحِيَلُ، ففي ربه الأملُ والنجاحُ، جاءه صوتٌ من الغيبِ يهمسُ في دجاهْ، يقول: مرحباً يا صاحبي، أنا أنتَ في مقبلِ الحياهْ، أنا ذاتُك من زمانٍ آتٍ، جئتُ أريك ما بلغتُ من مداهْ، لقد حققتُ كلّ ما كنتَ ترجوه يوماً وتتمناهْ، ليتك ترى النجاح والحرية والعيشَ الذي صَنعناهْ، أما زلتَ تذكرُ حين قالوا حلمُك خيالٌ ولن تلقاهْ؟ وأنك مستحيلٌ أن تصل لِما تبتغيهِ وترعاهْ؟ لكنك لم تتوقف.. واصلتَ رغماً عن التعبِ وعَناهْ، ولهذا السببِ وحده.. أنا هنا الآن أقطفُ جَناهْ، ثم مشى بالعزيمة... وظن بالله خيراً... حتى وصل.