المقدّمة بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، في زوايا التاريخ المشرقة بالغيبِ، وُلِدَ نَبِيٌّ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيْدِنَا شَيْثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ… رَجُلٌ سَبَقَ عَصْرَهُ بِعِلْمٍ عَظِيمٍ لا زَالَ العُلَماءُ يَلُوحُونَ بِهِ إلى اليومِ. هُوَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. النَّشْأَةُ وَالبِدَايَاتُ وُلِدَ إدريسُ في بابلَ بالعراقِ، داخلَ أسرةٍ ورثت تقوى الأجدادِ، فهو ابنُ شَيْثٍ جَدِّ نُوحٍ عليهما السَّلَامُ. منذ نعومةِ أظفارهِ لُمِسَ في يَدِهِ العَطَشُ إلى مَعارفَ جديدةٍ، فبادر إلى خَطِّ القلمِ وعَدِّ الحِسابِ. الاِخْتِرَاعَاتُ وَالعُلُومُ كان إدريسُ أوَّلَ مَن خَطَّ بالقلمِ، وأوَّلَ مَن خاطَ الثِّيابَ بالإبرةِ، بينما كان أبناءُ قومِهِ يَتَوَشَّحونَ جُلودَ الحيواناتِ. وبِرَحمَةِ اللهِ، اخترع ستائرَ الحريرِ ورفاهيّةَ الأقمشةِ التي لم تعرفها الأرضُ من قَبلُ. الدَّعْوَةُ الإِلٰهيَّةُ أرسلهُ اللهُ تعالى إلى أهلِ مدينةِ الجِبّارِ لِيُخْبِرَهُم بِحَقٍّ ضَاعَ، ولينصُرَ امرأةً قُتِلَ زوجُها ظلماً. سارَ إدريسُ واثقَ الخطى، متوكِّلاً على ربهِ، حاملاً رسالةَ الرحمةِ والهُدى. لِقَاءُ المَظْلُومَةِ في أروقةِ قصرٍ متهالك، وقفت امرأةٌ سوداءُ الثوبِ، ودمعُ الأملِ يَلتمعُ في عينيها، تهمسُ بإيمانٍ: «يا إدريسُ، قتَلَ الظالمُ زوجي، وسلَبَ أرضي. لَم يترك لي إلا الألمَ والجَور.» فأجابها بصوتٍ رقيقٍ وحازمٍ: «لا يضيع حقٌّ عند الله، وسيحاسبُ الظالمُ مهما طالَ ليلهُ.» المُوَاجَهَةُ وَالتَّدْبِيرُ امتدتْ أمامَ إدريسَ ردهاتُ القصرِ الفخمة، وحيثُ العرشُ الدمشقيُّ يلمعُ بالذهبِ، تحدّاه الملكُ متباهياً: «هذه أرضي، ومن أراد شيئاً منها فليدفع الثمنَ أو يختفِ.» فقالَ إدريسُ، والصمتُ يَخيمُ على المجلسِ: «أُسلِمُكَ رسالةَ الله، فأين أنتَ من الرحمةِ؟» الهُرُوبُ وَالمَنفى بعدَ تنفيذِ المكيدةِ وأخذِ العدلِ مجراه، تركَ إدريسُ المدينةَ مكرهاً، فاتّجه إلى الجبالِ الصماءِ، حيثُ العزلةُ والجهادُ لأجلِ الحقِّ، وترك خلفهُ قصرَ الظالمين. رَجْعَةُ المَرْحَمَةِ عَصَفَ الجَفافُ والقحطُ بالمدينةِ طِوالَ عِشرينَ عاماً، حتى نَدِمَ الملكُ الجديدُ ونادى: «يا أهلَ المدينةِ، لِنَدعُ إدريسَ، ربّما يُنزِلُ اللهُ رَحمَتَهُ علينا.» فعاد إدريسُ، فرحبوا بهِ، وأنزل اللهُ عليهم الغيثَ والبركاتِ. عِلْمٌ وَتَجَلٍّ عَلَّمَ إدريسُ الناسَ الحسابَ والفلكَ، وتكلّموا بسبعينَ لُغةً بفضلِ علمه. ثم ارتفعَ إدريسُ إلى السماءِ رافعاً رايةَ التوحيدِ، حتى بلغَ السماءَ الرابعةَ، ومستقرَّهُ عندَ ربهِ. الخاتِمَةُ وَالدَّعْوَةُ هكذا كانَ مَسارُ نبيِّ اللهِ إدريسَ: من أرضِ بابلَ إلى علياءِ السماواتِ… من أوَّلِ قلمٍ وخيطٍ بالإبرةِ، إلى العُلُوِّ عندَ الرحمنِ. إنْ أَعجبتَكُم هذه القصةُ السَّماويةُ، فاشتركوا في القناةِ وفعلوا الجرسَ، لتصلكم كلُّ الحكاياتِ التي تُحلّقُ في الأعالي. إلى اللقاءِ!