هناك أماكن لا نختارها… بل هي التي تختارنا. أماكن تمرّ عليها الأقدام مئات المرات دون أن تلاحظها، وفجأة… في يوم ما… تتحوّل إلى ملجأ، إلى مساحة صغيرة تحمل شيئًا من روحك. هذا المكان… مهما بدا بسيطًا، هو المساحة التي تتسع لي حين لا يتّسع العالم. هنا، تختفي الضوضاء قليلاً، وتصبح الأصوات أقل شدّة، والوقت يمشي بخطوات أبطأ، كأنه يمنحني فرصةً لأستعيد نفسي. كلما اقتربت من هذا الركن… أشعر أنني أقترب من شيء أعرفه… شيء يشبهني. قد يكون المكان صغيرًا جدًا… مجرد زاوية ضوء، أو كرسي قديم، أو طاولة تحمل آثار الوقت. لكن التفاصيل الصغيرة… هي التي تعطيه روحه. أحب ملمس الأشياء هنا… الأشجار التي احتفظت ببصمات يدي في أيام تعبٍ كثيرة. تربتها التي احتضنت محاولات فهمي للحياة. الضوء الذي يسقط من فوق السحاب… كأنه يحاول كل يوم أن يكتب رسالة جديدة. حتى الهواء مختلف هنا… أخف، أبسط، كأن المكان يتنفس معي. لا أتذكر أول يوم جلست فيه هنا… لكنه كان يومًا عاديًا في الخارج، ويومًا استثنائيًا في الداخل. منذ تلك اللحظة… صار هذا المكان شاهدًا على الكثير: على محاولاتي الأولى للكتابة، على تلك الليالي التي حاولت فيها فهم نفسي، على لحظات الفرح البسيطة التي لا يتذكرها أحد سواي، وعلى لحظات الحزن التي لم أرغب أن يراها أحد. بعض الأماكن ترافقك مثل صديق قديم… لا يتكلم كثيرًا… لكنه يفهمك. عندما أجلس هنا… أشعر أنني أعود إلى إيقاعي الحقيقي. بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن الهرولة اليومية التي تُلزمنا بها الحياة. كم مرة جاءني هذا السؤال وأنا هنا: لماذا نسعى كثيرًا؟ لماذا نهرب من الصمت؟ لماذا نخاف أن نبقى مع أفكارنا؟ لكنّ هذا المكان علّمني شيئًا بسيطًا جدًا: أنّ الصمت ليس فراغًا… بل مساحة للامتلاء. وأن الذات تحتاج لحظات هدوء لتعيد ترتيب ما بعثره العالم في الداخل. أحيانًا، وأنا هنا… أشعر أنني في حوارٍ مع نفسي لا يسمعه أحد. أسأل أسئلة لا أملك لها إجابات، وأكتشف أن بعض الإجابات لا تأتي بالكلمات… بل بالهدوء. هنا، أدركت شيئًا لم أكن أفهمه من قبل: أنّ الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى السفر ليبحث عن السلام… أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يتوقف. أن يستند على جدار بسيط، أو أن ينظر إلى السماء، أو أن يصمت قليلاً. وفي هذا الصمت… كنت أسمع نفسي بوضوح.” 7ومع كل مرّة أغادر فيها هذا الركن… أشعر أنّني لا أغادره تمامًا. وكأن المكان يحتفظ بنسخة خفيفة من روحي، ويدفع عني شيئًا من التعب كلما عدت إليه. ربما الصمت هنا أكثر صدقًا من الكلام، وربما الأصوات الخفيفة التي تتسلل إليه ليست مجرد أصوات… بل رسائل صغيرة تقول لي: أنت بخير… استمر. هذا المكان علّمني شيئًا واحدًا: أنّ السلام لا يأتي من الخارج… بل يُزرع في الداخل، ويحتاج فقط إلى مساحة هادئة لينمو. ولذلك… سيظل هذا المكان بالنسبة لي أكثر من مجرد زاوية. سيظل جزءًا من حكايتي… وحكاية الهدوء الذي أنقذني.
