ها قد عاد طيفُكَ، لا كذكرى، بل كَنَفَسٍ من أنفاس السَّر، يمرُّ على القلب فيُورق، ويغيبُ فيجعلُني ظمآنًا لنورٍ لا يُدرك. صوتُك ليس صوتَ بشرٍ، بل ترنيمةُ سِرٍّ من الأزل، تنبعُ من عمقٍ لا يُرى، وتستقرُّ في مقامات لا تُوصَف. كأنك لم تكن شخصًا، بل معنى تجلّى... ثم احتجب. فيا من جئتَ وسكنتَني، ثم رحلت، ثم عدتَ في صورٍ لا تحصى، قل لي: أأنتَ حبيبٌ من لحمٍ ودم؟ أم نفحةُ وَصلٍ من الحقِّ تُبتلَى بها الأرواح حين تشتاق؟ لِم أتيتَ؟ ألِتوقظني من نومِ الغفلة؟ أم لتدلّني على بابٍ لا يُفتح إلا بدمعةِ صدق؟ ولِم رحلت؟ ألكي أتعلم أن الحضور الحقيقي لا يكون بالأجساد، بل بالمعاني؟ أن القُرب هو إذا سكن المحبوب فيكَ، حتى وإن غاب عنكَ؟ يا كلِّي وأنتَ غيابي.. يا نوري في عَتَمي.. إن كنتَ وهْمًا، فهو وهمُ العارفين... وإن كنتَ حقًا، فها قلبي لك محراب، فلا تغِب.
