في تلك الليلة، كانت السماء تمطر بغزارة، وكنت أردد الدعاء للمرة السابعة... ولم أكن أعلم أن حياتي ستنقلب رأساً على عقب إلى الأبد."كان ياسر رجلاً في الأربعين من عمره، يعمل موظفاً بسيطاً في إحدى الشركات الصغيرة. حياته كانت عادية، هادئة، لا يطمع في الكثير. كل ما كان يريده هو أن يوفر لقمة عيش كريمة لزوجته سلمى وابنته الوحيدة ملك، التي كانت في الثانية عشرة من عمرها.
سلمى كانت امرأة جميلة، هادئة الطباع، لكنها في الأشهر الأخيرة أصبحت غريبة. تتحدث قليلاً، تنظر إلى الفراغ كثيراً، وتخرج من المنزل بحجج واهية. لم يكن ياسر يشك فيها، فهو كان يثق بها ثقة عمياء.
في أحد الأيام، بينما كان ياسر في طريقه إلى العمل، صادف رجلاً عجوزاً في الشارع. كان الرجل يرتدي ثياباً بالية، وعيناه تلمعان بنور غريب. أوقف ياسر سيارته وسأله إن كان يحتاج لمساعدة.
قال العجوز بصوت مرتجف: "يا بني، أنت طيب القلب، وسأعطيك شيئاً ثميناً. ردد هذا الدعاء سبع مرات الليلة فقط، وستحصل على ما تتمناه."
أعطاه ورقة صغيرة مكتوب عليها دعاء بخط قديم، ثم اختفى العجوز وسط الزحام قبل أن يتمكن ياسر من شكره.
عاد ياسر إلى المنزل في المساء، وفي رأسه ألف سؤال عن هذا العجوز الغريب. لم يخبر سلمى عن اللقاء، لكنه احتفظ بالورقة في جيبه.
في تلك الليلة، بعد أن نامت ملك وسلمى، جلس ياسر في غرفته وأخرج الورقة. كان الدعاء غريباً، لكنه قرر أن يجربه. ماذا سيخسر؟
بدأ يردد الدعاء بصوت خافت: "اللهم يا كاشف الأسرار، يا من لا تخفى عليه خافية، اكشف لي الحقيقة."
رددها مرة، مرتين، ثلاث مرات... وصولاً إلى المرة السابعة.
عندما انتهى، شعر بقشعريرة تسري في جسده. نظر حوله، لكن لم يحدث شيء. ابتسم لنفسه ساخراً، وقرر أن ينام.
لكن في تلك الليلة، رأى حلماً مرعباً.
رأى سلمى في مكان مظلم، تتحدث مع رجل لا يعرفه. كانت تضحك بطريقة لم يرها منها من قبل. وسمع صوتها يقول: "قريباً سأتخلص منه، وسنكون معاً إلى الأبد."
استيقظ ياسر فزعاً، جسده مغطى بالعرق. نظر إلى سلمى النائمة بجانبه، وشعر بألم في صدره.
"لا، هذا مجرد حلم سخيف،" قال لنفسه، لكن قلبه لم يكن مطمئناً.
في الصباح التالي، قرر ياسر أن يراقب سلمى دون أن تدري. لاحظ أنها تستخدم هاتفها كثيراً، وتبتسم لشاشته بطريقة غريبة. كانت تحذف الرسائل بسرعة عندما تشعر أنه يقترب.
الشك بدأ يتسلل إلى قلبه مثل السم البطيء.في اليوم التالي، تظاهر ياسر بأنه ذاهب إلى العمل، لكنه عاد إلى المنزل مبكراً. أوقف سيارته بعيداً عن البيت، واقترب بحذر.
رأى سيارة غريبة متوقفة أمام منزله. قلبه بدأ يدق بقوة. اقترب من النافذة ونظر إلى الداخل.
ما رآه جعل دمه يتجمد في عروقه.
كانت سلمى تجلس على الأريكة، وبجانبها رجل أنيق يرتدي بدلة باهظة الثمن. كانا يضحكان معاً، وكان الرجل يمسك يدها بحنان.
شعر ياسر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. أراد أن يقتحم الباب، أن يصرخ، لكنه تجمد في مكانه.
سمع صوت الرجل يقول: "لا تقلقي يا حبيبتي، بعد أسابيع قليلة سنتخلص منه، وسنبدأ حياة جديدة."
قالت سلمى بصوت بارد: "لقد سئمت من حياة الفقر والبؤس معه. أستحق حياة أفضل."
سقطت دموع ياسر دون أن يشعر. عشرون عاماً من الزواج، عشرون عاماً من التضحيات، وهذا ما حصل عليه في النهاية؟
خرج من المنزل بصمت، ودخل سيارته. لم يعرف إلى أين يذهب، قاد السيارة بلا هدف، والدموع تملأ عينيه.
وصل إلى شاطئ البحر، ونزل يسير على الرمال. كان الجو بارداً، والأمواج تتكسر بعنف على الصخور.
جلس على صخرة كبيرة، ووضع رأسه بين يديه. كل شيء في حياته كان كذبة. كل ابتسامة من سلمى، كل كلمة حب، كل شيء كان زائفاً.
فجأة، تذكر الدعاء الذي ردده. "يا كاشف الأسرار... لقد كشفت لي الحقيقة بالفعل،" همس لنفسه بمرارة.
عاد إلى المنزل في المساء، وتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. سلمى كانت تبدو طبيعية، تبتسم له، تسأله عن يومه.
"كيف تفعلين هذا؟" فكر ياسر، "كيف تنامين بجانبي كل ليلة وأنت تخططين للتخلص مني؟"
لكنه لم يقل شيئاً. قرر أن يكتشف المزيد قبل أن يواجهها.
في الليلة التالية، بعد أن تأكد أن الجميع نائمون، أخذ هاتف سلمى بحذر. كان محمياً برمز، لكنه جرب تاريخ ميلاد ابنتهما ملك. انفتح الهاتف.
دخل إلى الرسائل، وبدأ يقرأ.
ما قرأه كان أسوأ من كل كوابيسه.
رسائل حب لا تنتهي مع رجل يدعى كريم، الرجل الذي رآه في المنزل. كانا يخططان لقتله وجعل الأمر يبدو كحادث، حتى تحصل سلمى على تأمين حياته والمنزل.
"لقد تعبت من انتظار وفاته الطبيعية،" كتبت سلمى في إحدى الرسائل، "يجب أن نفعل شيئاً قريباً."
شعر ياسر بالغثيان. وضع الهاتف في مكانه، وخرج من الغرفة يترنح.
ذهب إلى غرفة ابنته ملك، ووقف ينظر إليها وهي نائمة بسلام. ابنته البريئة، هل تعلم شيئاً عما يحدث؟
قبّل جبينها بحنان، وهمس: "سأحميك مهما كلفني الأمر."قرر ياسر أن يواجه سلمى في اليوم التالي. لكن القدر كان له رأي آخر.
في صباح ذلك اليوم، وبينما كان ياسر في طريقه إلى العمل، تعرض لحادث سير مروع. شاحنة ضخمة اصطدمت بسيارته من الخلف، مما أدى إلى انقلاب السيارة عدة مرات.
عندما استيقظ، وجد نفسه في المستشفى. جسده مليء بالجروح، وساقه اليمنى مكسورة. الطبيب أخبره أنه محظوظ لأنه نجا.
"لكن هل كان هذا حادثاً حقيقياً؟" تساءل ياسر في نفسه. "أم أن سلمى وكريم قد بدآ بتنفيذ خطتهما؟"
بقي في المستشفى لأسابيع. سلمى كانت تزوره يومياً، تبكي أمامه، تقول له كم كانت خائفة عليه. كانت ممثلة بارعة.
عندما خرج من المستشفى، اكتشف أن الشركة التي كان يعمل بها قد فصلته بسبب غيابه الطويل. لم يعد لديه دخل، ومدخراته بدأت تنفد بسرعة.
الأسوأ من ذلك، أن سلمى بدأت تسيطر على كل شيء في المنزل. الحسابات المصرفية، الأوراق المهمة، كل شيء أصبح باسمها.
"أنت بحاجة للراحة يا حبيبي،" كانت تقول له بابتسامة زائفة، "دعني أهتم بكل شيء."
كان ياسر عاجزاً. ساقه المكسورة منعته من الحركة بحرية، ولم يكن لديه أي قوة لمواجهتها.
في إحدى الليالي، سمع سلمى تتحدث في الهاتف في الغرفة المجاورة.
"نعم، كل شيء يسير حسب الخطة،" قالت بصوت منخفض، "الحادث كان مثالياً، لكنه لم يمت للأسف. سنضطر لإيجاد طريقة أخرى."
شعر ياسر بالرعب. الحادث لم يكن صدفة! لقد حاولت قتله بالفعل!
في تلك اللحظة، أدرك أنه في خطر حقيقي. يجب أن يفعل شيئاً، أو سينتهي به الأمر ميتاً.
لكن من يصدقه؟ لا دليل لديه. كل الرسائل المحذوفة، ولا أحد سيصدق أن زوجته الودودة الجميلة تخطط لقتله.
بدأت صحته النفسية تتدهور. أصبح يرى كوابيس كل ليلة، يستيقظ مذعوراً، وعرقه يتصبب.
حتى ابنته ملك بدأت تبتعد عنه. سلمى كانت تهمس لها أن أباها "مريض نفسياً" وأنها يجب أن تحذر منه.
"بابا، هل أنت بخير؟" سألته ملك يوماً بخوف، "ماما تقول إنك تتخيل أشياء غريبة."
نظر ياسر إلى ابنته، وشعر بألم لا يوصف. حتى ابنته الوحيدة بدأت تشك فيه.
"أنا بخير يا حبيبتي،" قال لها بابتسامة حزينة، "لا تقلقي."
لكن في داخله، كان ياسر يعلم أنه يخسر كل شيء. عمله، صحته، ابنته، حتى حياته نفسها في خطر.
جلس في غرفته المظلمة، وأخرج الورقة القديمة التي أعطاها له العجوز.
"لماذا فعلت هذا بي؟" همس بمرارة، "لماذا كشفت لي الحقيقة إن كنت لا أستطيع فعل شيء حيالها؟"في ليلة عاصفة، بينما كان ياسر جالساً وحيداً في غرفة المعيشة، سمع طرقاً خفيفاً على الباب.
فتح الباب، فوجد العجوز نفسه واقفاً أمامه، مبتلاً بماء المطر.
"أنت!" صاح ياسر، "من أنت؟ ولماذا فعلت هذا بي؟"
دخل العجوز بهدوء، ونظر إلى ياسر بعينين حزينتين.
"لم أفعل شيئاً يا بني،" قال بصوت هادئ، "الدعاء يكشف الحقيقة فقط، لا يخلقها. الخيانة كانت موجودة قبل أن تعرف عنها."
"لكن ماذا أفعل الآن؟" سأل ياسر بيأس، "لقد خسرت كل شيء!"
جلس العجوز، وبدأ يروي قصة مرعبة.
"منذ أربعين عاماً، كنت مثلك تماماً،" قال العجوز، "كانت لي زوجة أحبها حباً جنونياً، واكتشفت أنها تخونني وتخطط لقتلي. لم أصدق في البداية، لكنني استخدمت نفس الدعاء، وكشفت الحقيقة."
"وماذا حدث؟" سأل ياسر.
"واجهتها،" قال العجوز بصوت مرتجف، "وفي تلك الليلة، حاولت قتلي فعلاً. وضعت سماً في طعامي. لكنني كنت مستعداً، ولم آكل. عندما رأت أن خطتها فشلت، هربت مع عشيقها."
"ثم؟"
"تتبعتهما،" قال العجوز، وعيناه تلمعان بضوء غريب، "وانتقمت منهما بطريقة لن تتخيلها. لكن الانتقام لم يمنحني السلام. عشت أربعين عاماً في عذاب، مطارداً بذكريات ما فعلت."
شعر ياسر بقشعريرة. "هل تريدني أن أنتقم؟"
هز العجوز رأسه. "لا، أريدك أن تكون أذكى مني. الانتقام ليس الحل. الحقيقة هي سلاحك الوحيد."
"أي حقيقة؟ ليس لدي أي دليل!"
ابتسم العجوز ابتسامة غامضة. "ردد الدعاء مرة أخرى الليلة، سبع مرات كما فعلت أول مرة. لكن هذه المرة، اطلب أن ترى كل شيء."
"كل شيء؟"
"سترى ما لم تره من قبل. سترى الحقيقة الكاملة، حتى تلك الأجزاء التي لم تكن تعرف أنها موجودة."
قبل أن يتمكن ياسر من طرح المزيد من الأسئلة، اختفى العجوز، تاركاً وراءه فقط بقعة ماء على الأرض.
في تلك الليلة، بعد أن تأكد أن الجميع نيام، جلس ياسر وبدأ يردد الدعاء مرة أخرى.
"اللهم يا كاشف الأسرار، يا من لا تخفى عليه خافية، أرني الحقيقة الكاملة."
رددها سبع مرات، وفي المرة الأخيرة، شعر بدوار شديد.
فجأة، رأى نفسه في مكان مختلف. كان يقف في مكتب فخم، حيث كانت سلمى تجلس مع كريم.
لكن هذه المرة، سمع كل شيء.
"لقد كان ياسر غبياً منذ البداية،" قال كريم بضحكة ساخرة، "لم يكن يعلم أن ابنته ملك ليست ابنته حقيقياً."
توقف قلب ياسر عن النبض للحظة.
"نعم،" قالت سلمى ببرود، "ملك هي ابنتك أنت يا كريم. لقد خدعته منذ البداية."
شعر ياسر وكأن العالم ينهار من حوله. ملك، ابنته الوحيدة التي أحبها أكثر من حياته، ليست ابنته؟
"وبعد أن نتخلص منه،" تابعت سلمى، "سنأخذ كل ما يملك، ونبدأ حياتنا من جديد، أنا وأنت وابنتنا."
استيقظ ياسر من الرؤيا، وهو يبكي بشدة. الألم كان لا يحتمل. ليس فقط الخيانة، بل حتى ابنته التي ضحى من أجلها طوال حياته، لم تكن ابنته.
عندما نشعر بالضعف والتعب، نحتاج أن نتذكر أن القوة من الله وحده. يا رب قوّني في ضعفي، ارفعني من كسلي. مثل ما نحتاج للطعام والشراب، نحتاج للصلاة والدعاء لتقوية قلوبنا وأرواحنا. فلنفر إلى الله دائماً.